دور النيابة العامة في مكافحة الفساد وتعزيز سيادة القانون .. بقلم: مصعب عوض الكريم علي إدريس المحامي

النيابة العامة جهاز من أجهزة العدالة الجنائية يناط به ضمان وحماية الحقوق والحريات العامة لمنع أي تعد أو تجاوز سواء كان من المواطن أو من السلطة وفقاً للقانون . ويقع

عليه عبء الحفاظ على سيادة حكم القانون وذلك بوسيلة توجيه الاتهام الجنائي نيابة عن المجتمع للحفاظ على مصالحه ، وتعتبر دعوى الحق العام في القوانين المعاصرة هي الوسيلة المثلى لاقتضاء حق الدولة في العقاب ، ويكون أطراف الدعوى هم المجتمع (النيابة العامة) والمتهم ذلك وفق الإجراءات التي يحددها القانون ، لأن الجريمة في الأساس تمثل تهديد لأمن وطمأنينة المجتمع وكيانه .
وسمى النائب العام نائباً عاماً لأنه ينوب عن المجتمع في تحريك الدعوى الجنائية العامة ووضعها أمام المحكمة المختصة والترافع فيها نيابة عن المجتمع ، وحتى تتمكن النيابة العامة من القيام بدورها الحقيقي لابد من ضمان الاستقلالية التامة لأجهزتها دون تدخل من أي جهة في الدولة مهما كانت . واستقلال النيابة العامة في ممارسة اعمالها يعني ان تكون مستقلة عن الخصوم في الدعوى الجنائية بحيث تكون غير مقيدة برغبات الافراد بخصوص توجيه الاتهام ولا بأهوائهم الشخصية ، نصت المبادئ التوجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة المعتمدة من الأمم المتحدة “على أعضاء النيابة العامة أن يؤدوا واجباتهم وفقا للقانون، بإنصاف واتساق وسرعة، وأن يحترموا كرامة الإنسان ويحموها ويساندوا حقوق الإنسان، بحيث يسهمون في تأمين سلامة الإجراءات وسلامة سير أعمال نظام العدالة الجنائية “.
والطبيعة القانونية للنيابة العامة واستقلاليتها او تبعيتها تختلف من دولة لأخرى حسب النظام السائد في الدولة ، حيث يرى جانب من الفقه القانوني أن النيابة العامة تتبع للسلطة التنفيذية سواء بصورة مباشرة لرئيس الجمهورية أو تتبع لوزير العدل باعتباره الممثل الرسمي للسلطة التنفيذية ، ويرى جانب آخر من الفقه أن النيابة العامة تتبع للسلطة القضائية ذلك بإعتبار الدور الذي تقوم به والاعمال ذات الطبيعة القضائية . القانون الدولي عندما نص وأكد على استقلالية القضاء واستقلال مهنة المحاماة بنصوص واضحة وصريحة ، لم ينص على صراحة على استقلال النيابة العامة من ناحية مؤسسية ، بسبب أن بعض الانظمة القانونية تقوم بتعيين النائب العام من قبل السلطة التنفيذية ، وبعض الانظمة ايضاً جعلت النيابة العامة مسئولة أمام السلطة التنفيذية ، فهذا يؤدي في نهاية المطاف وغالباً الى ان يكون النائب العام عرضة لخطر تلقي التوجيهات والأوامر من السلطة التنفيذية . لكن القانون الدولي نص على ضرورة استقلال النيابة العامة عن السلطة القضائية وفي جميع الأحوال يجب أن يكون أعضائها قادرين على أداء واجباتهم المهنية دون تخويف أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير لائق ، ومن واجب الدولة ايضاً توفير الضمانات اللازمة للنيابة العامة حتى تتمكن من اجراء تحقيقاتها بحيادية وموضوعية ونزاهة واستقلالية . هذا مع التأكيد على ان النيابة العامة المستقلة تؤدي دورها أفضل النيابة العامة التي ترتبط بالسلطة التنفيذية او التي يكون فيها النائب العام مسئولاً امام السلطة التنفيذية .
ومبادئ الامم المتحدة التوجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة حثت في المبدأ رقم (15) على أن: “يولى أعضاء النيابة العامة الاهتمام الواجب للملاحقات القضائية المتصلة بالجرائم التي يرتكبها موظفون عموميون، ولاسيما ما يتعلق منها بالفساد، وإساءة استعمال السلطة، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وغير ذلك من الجرائم التي ينص عليها القانون الدولي، وللتحقيق في هذه الجرائم إذا كان القانون يسمح به أو إذا كان يتمشى مع الممارسة المحلية ” وهذا النص جاء ضمن توصية المجلس الأوروبي رقم 19/2000 الخاصة باللجنة الوزارية للدول الأعضاء بشأن دور النيابة العامة في نظام العدالة الجنائية . وجاء ضمن المبادئ الأساسية والتوجيهية بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا 2003م.
قانون النيابة العامة لسنة 2017م أخذ نفس النص من القانون الدولي ( يولي أعضاء النيابة العامة الاهتمام الواجب بالدعاوى المتصلة بالجرائم التي يرتكبها موظفون عموميون ولا سيما ما يتعلق منها بالفساد وإساءة استعمال السلطة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وغير ذلك من الجرائم التي ينص عليها القانون الدولي) . حيث أن تطابق المبدأ في القانون السوداني مع المبادئ الدولية يوضح بجلاء رغبة المشرع واهتمامه البالغ في ان تمارس النيابة العامة سلطاتها وفق القانون الدولي ، وإن كنا نرى كان يجب ان يسمح قانون النيابة العامة بسلطات استثنائية أوسع تتضمن قيام النيابة العامة من تلقاء نفسها بالشروع في التحقيق في الجرائم التي تضر بالمجتمع خاصة جرائم الفساد وجرائم اساءة استعمال السلطة والسماح لها بالاهتمام بالجرائم التي يرتكبها الموظف العام اهتماماً خاصاً والتي من شأنها الاضرار بالمصالح العامة، وتمكين النيابة العامة من الإطلاع بدور فعال وجدي وبصلاحيات استثنائية للنظر في الجرائم التي ترتكب من الموظفين العموميين يكفي الدولة عبء انشاء مفوضية او هيئة لمكافحة جرائم الفساد وتحمل نفقات ادارية إضافية ، خاصة اذا علمنا انه لا توجد ازمة قوانين تمنع وتحد من هذه الجرائم ، بل ينقص الدولة آليات مستقلة يسمح لها النظام القانوني بممارسة اعمالها بحيادية وموضوعية ونزاهة وبصلاحيات واسعة .
الصحف السودانية ووسائل التواصل الاجتماعي مليئة بالأخبار التي تتحدث عن جرائم مضرة بالمجتمع وتهدد كيانه ، على النائب العام الإطلاع بدوره وفتح التحقيقات حول أي أمر يصل الى علمه للتأكد ، خاصة الأمور المتعلقة بالفساد والاضرار بالاقتصاد الوطني او استقلال الوظيفة العامة . هذا الدور دور أصيل بموجب القانون ، لا يحتاج النائب العام لتوافر أي إرادة من أي جهة لتفعيله طالما ان الموضوع برمته يتعلق بتطبيق القانون وحقوق الانسان وسيادة حكم القانون . حيث أن التقصي والملاحقة واحالة المتهمين بارتكاب جرائم الى المحاكم وإقامة الدعاوى ومباشرتها نيابة عن المجتمع ، وان أي فعل يشكل تهديد لكيان المجتمع يعتبر من صميم عمل النيابة العامة .

اترك تعليقاً